📜 قِيَمُ القُرآن وَمفاهِيمه
📝 قِيَمٌ مُجَتمَعِيّة [ 3 ]
💡الإضاءة الثانية والعشرون
{ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ } ..
إحساسٌ مُتنَامٍ بِزُهوٍّ داخليّ .. مَسكونٌ بمحتوى يُمطره في حَركاتٍ ؛ تَشي بِجَبلٍ شَاهق من الكِبر الدَاخلي !
يَحكيه لنا القُرآن .. مثل سُؤالٍ لا جَواب له ؛ إلا طَريقة ذَهابك وإيابك !
{ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ } ..
وأصلُ الصّعر ؛ داءٌ يُصيب الإبل في أعنَاقها ، أو في رُؤوسها ، حتى تَلفتُ أعناقها برُؤوسها !
والمَعنى ..
ولا تَمِل وَجهك مِن النَّاس تَكَبُّراً ، و لا تَعرِض عمَّن يُكلِّمك استخفافاً به !
تماماً .. وكأنّ في عُنقك داءٌ مِن داِء الإبل !
ويالهُ مِن تشبيهٍ ؛ يُحاكي به المَرء في روحه رُوح بَهيمة !
{ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ } ..
بِشِدَّة وَطءٍ علي الأرض ، وتَطاولٍ في بَدن المَاشي ..
وقَد قيل ..
كلّ انتفاشٍ في الظَّاهر هو انكِمَاش في البَاطن !
يَسيلُ الداخل في خَطوتك ..
في التِفاتة وَجهك ..
في حرَكة جسَدك ..
ولَعلّك لو أعَرْتَ الأرض سَمْعك ؛ لالتَقَطتَّ صوتاً خَشِناً يُشبه خِفاف الإبلِ وهيَ تطحَن الرِّمال ، ولا تَترك بعدَها أثَراً !
مثل دُروبٍ مَطليّة بأقدامٍ ؛ لا جُذور لها !
لماذا .. { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } ..
وتلك تَكفي ؛ كيْ يُصبح صَوت السَّعي فَناء !
كيْ يُصبح صَوت السَّعي هباء !
لذا كان بينَ { فامشُوا في منَاكبها } .. وبينَ { لا تمشِ في الأرضِ } ؛ فارقٌ دَقيق .. هو صوتُ الخَطوة في غَايتها !
في الثَانية ..
ثمَّة ما يَطحن الأرضَ مِن ثِقل الإستعلاء ..!
وفي الأُولى ..
شيءٌ مُختلف .. شيءٌ يُشبه تَحليقاً ؛ يبحثُ عن مَنفذٍ للآخرة ..!
لذا ..
كانَ يصْعد إلى مَناكبها ..
يَلمسها ؛ كيْ يوقِظ القِمَم !
ترى ما هو تعريفُ وُجود الإنسان ..
وما هي مسَاحته ؟
إنّه حضورٌ على سَطح ذرّة غُبار كَونية ، تَدور حَول نَجمٍ عاديّ ، في طَرَف ناء ؛ٍ لِمَجرةّ تَسبحُ بينَ مائة مِليار مجَرّة !
نحنُ أقلّ في مرورنا مِن مائة عام مِن أبّهةِ الكَون ..
أعمارُنا تُوازي غَفوة ؛ أو سِنَة مِن النَوم ..
نحنُ أشبهُ بنُقطة مِدادٍ في سطُور الكَون !
لذا ..
قال لكَ الله { إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا } ..
وقالها لكَ رسول الله ﷺ ـ:
( إنَّ الله أوحى إليَّ أنْ تَواضعوا ؛ حتَى لا يَبغي أحدٌ علي أحَد ؟ ولا يَفخَر أَحدٌ علي أحَد ) !
فَقِه السَّلف الوَصية ..
فكانَت تُرى أمَّ الدَّرداء جالسة مع نِساء المَساكين بِبيتِ المَقْدِس ؛ مثلَ مَن يبتغي أنْ يصِل إلى مقامِ المَعنى ..
إلى مقام ؛ ( مَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّه ) !
ينسَكِب المَعنى في كَلمات السَّلف الصَالح وسُلوكهم ؛ حتى ترى الإمام أحمَد يقولُ دوماً : ( نحنُ قومٌ مَساكين ) !
ويُخبر عنهُ يحيى بن مَعين قائلاً : ( ما رأيتُ مثل أحمَد بن حَنبل ..
صَحِبناه خَمسين سنةً ؛ ما افتَخر علَينا بشيءٍ ممّا كانَ عليه من الصَلاح والخَير ) !
وحينَ قيل للإمام أحمَد :
جزاكَ اللهُ عن الإسلام خيراً ..
فقال :
( لا ..
بلْ جزَى اللهُ الإسلامَ عنّي خيراً ..
من أَنا ؟ وما أنَا ؟! ) .
ولقدْ سأل الحَسن أصحابَه ذات يوم فقال :
( هل تَدرون ما التَّواضُع ؟
التَّواضُع .. أن تَخرُج مِن مَنزلك فلا تلْقَ مُسلمًا إلَّا رأيتَ له عَليك فضلًا ) !
وها هو ابنُ عُيينه يقول :
( لو قيلَ أخرِجوا خيارَ هذه القرية ؛ لأُخرجوا مَن لا نَعرف ) !
بكلِّ وقارِ التَواضع .. يقِف ابن عُيينة عالِم الحَديث الجلَيل ؛ حافياً .. إلا من الاعتراف بالفَقر بينَ يدي الله !
لقد كان قَتادة يقول :
(مَن أُعْطِي مالًا ، أو جَمالًا ، وثيابًا ، وعلمًا ؛ ثمَّ لمْ يتواضع .. كانَ عليه وبالًا يوم القيامة ) !
يومَ يقِف أمام مِرآة الحَقيقة ..
يَرتَجِفُ مِن عِري الصَحائف ..
ذاكَ هو ما جَعل أبو بكر الصّديق يقول :
( ودَدتُ أنّي شَعرة في جَنبِ عَبدٍ مُؤمن ) !
الكِبر ..
هو نبضُ القُلوب القاحِلة !
والقُرآن ..
يكشِف الخَفايا في غُبار خَطوتك المُزدحمة بالأنَا ..
المُزدحمة بِبَذخ الشُعور بالذَّات ..
في حينِ ..
أنَّه لنْ يَبقى إلا { وَجه ربِّك ذُو الجَلال والإكرَام } !
✦د.كِفَاح أُبو هَنُّود ✦
No comments:
Post a Comment